قصتي

مرحبا, اسمي خليل.

أنا مهندس معماري. درست في الجامعة ست سنوات قبل أن أتخرج. عملت في مجال إدارة مشاريع البناء. لدي عائلة كبيرة، إخوة وأخوات كثر، وأصدقاء قريبون مني منذ سنوات طويلة.

أحب الرياضة. أحب الجلوس مع أصدقائي. أحب القراءة والتفكير. وكنت دائماً شخصاً يهتم بالناس من حوله.

باختصار… كنت إنساناً عادياً يعيش حياة طبيعية.

ولسنوات طويلة أخذت كل هذه الأشياء كأمرٍ مسلّم به. كنت أعتقد أن حياتي ستستمر بهذا الشكل دائماً. أنني سأستيقظ كل صباح، أذهب للعمل، ألتقي أصدقائي، وأعيش حياتي مثل أي شخص آخر.

لكن كل ذلك تغيّر في ليلة واحدة.

قبل عدة سنوات توفيت أمي فجأة بعد إجراء عملية جراحية في ظهرها. كانت عملية بسيطة، ولم يكن من المفترض أن تشكل أي خطر على حياتها. لكنها لم تعد من غرفة العمليات.

كانت تلك أول مرة في حياتي أشعر فيها أن الأرض قد سُحبت من تحت قدمي.

حاولت التماسك أمام عائلتي. حاولت أن أبدو قوياً. لكن في داخلي كان هناك حزن عميق لم أعرف كيف أتعامل معه. لذلك حاولت أن أفعل ما يفعله الكثير من الناس عندما لا يعرفون كيف يواجهون الألم: حاولت أن أهرب منه.

بعد ثلاثة أشهر من وفاتها كنت جالساً مع أصدقائي. كان أحدهم يدخن الحشيش كعادته. بدا مرتاحاً وسعيداً بعض الشيء.

في تلك اللحظة فكرت: ربما أحتاج فقط إلى أن أتوقف عن الشعور بالحزن لبعض الوقت.

لم أكن معتاداً على الحشيش، لكنني قررت أن أجربه.

استنشقت كمية كبيرة منه باستخدام قارورة. وبعد دقائق قليلة فقط، بدأت أشياء غريبة تحدث لجسدي.

بدأ قلبي ينبض بسرعة جنونية.
ضاق صدري وكأن الهواء اختفى من حولي.
تنملت أصابعي. بدأ رأسي يدور.

وفكرة واحدة فقط ملأت عقلي بالكامل: أنا أموت الآن.

ركضت إلى الخارج وأنا أصرخ. أصدقائي ركضوا خلفي وهم لا يفهمون ما الذي يحدث. ذهبنا إلى المستشفى بسرعة.

فحصني الأطباء. أجروا كل التحاليل.

ثم قالوا لي شيئاً لم أستطع تصديقه في تلك اللحظة:

أنت بخير.

القلب سليم, الدماغ سليم.
كل الفحوصات طبيعية.

لكن المشكلة كانت أن عقلي لم يصدقهم.

كنت مقتنعاً تماماً أنني أتعرض لنوبة قلبية. كنت أصرخ وأترجى الأطباء أن ينقذوني.

لكنهم يقولون نفس الشيئ…أنت بخير.

عدت إلى المنزل تلك الليلة مرهقاً وخائفاً أكثر من أي وقت مضى.

لم أصدق الأطباء, و سؤال واحداً بدأ يلاحقني بلا توقف:

 إذا كنت بخير… فلماذا أشعر بهذا؟ كنت مقتنعا أن الأطباء أخطأوا في تشخيصي.

بعد مرور أسبوع كنت تقريبا قد تعافيت وعدت لطبيعتي.اعتبرت الأمر مجرد تجربة سيئة وعدت لحياتي الطبيعية.

بعد حوالي شهر حدثت نوبة أخرى.

كنت في طريقي إلى الشاطئ مع أصدقائي. مكان يفترض أن يكون جميلاً ومريحاً. فجأة عاد نفس الإحساس.

نفس الرعب  نفس الأعراض.
نفس اليقين المطلق بأنني أموت.

ذهبنا إلى المستشفى مرة أخرى.

أجرى الأطباء نفس الفحوصات وجاءت نفس النتيجة. أنت بخير.

لكن حياتي منذ تلك اللحظة لم تعد كما كانت.

ما تلا ذلك كان سنتين ونصف من أصعب ما مررت به في حياتي.

لم تكن المشكلة فقط في نوبات الهلع مع العلم أنها كانت لا تتوقف طوال اليوم.

وتجعلني أعيش في خوف دائم

لكن مع مرور الوقت بدأت أشعر بشيء آخر… شيء أصعب بكثير على الوصف.

بدأت أشعر وكأن العالم لم يعد يبدو كما كان من قبل.

كأن هناك زجاجاً شفافاً يفصلني عن الحياة.
كأنني أشاهد كل شيء من بعيد.
كأنني موجود… لكنني لست موجوداً بالكامل.

ذاكرتي صارت مشوشة و أحداث البارحة بدت كأنها حدثت منذ سنوات.

هذا ان استطعت تذكر ما حدث البارحة أو صباح ذلك اليوم أصلا.

الأصوات بدت بعيدة.
الناس بدوا غرباء. كنت أنظر لأبي وإخوتي وأصدقائي وأعلم من هم و أنني أحبهم لكني لا أحس بذلك.
وحتى وجهي في المرآة بدأ يبدو غريباً عليّ.

كنت مقتنعاً أن شيئاً ما قد حدث لعقلي.

ذهبت إلى الأطباء. أجريت كل الفحوصات الممكنة.

كنت أذهب راكضاً لغرفة الطوارئ كل يوم معتقداً أنني أموت.

وفي كل مرة أخبروني أن كل شيء كان طبيعياً لكنني لم أشعر أنني طبيعي أبداً.

جربت كل الخلطات والأعشاب التي يروج لها التجار على مواقع التواصل الإجتماعي.

جربت الحجامة والتدليك وزرت أناسا يدعون أن الحل لديهم لتخفيف معاناتي.

لم ينفع شيئ أبدا.

ومع مرور الوقت أصبح الخوف رفيقي الدائم.

كنت أستيقظ صباحاً والخوف موجود.
وأذهب للنوم وهو ما يزال هناك.

لم أعد أستطيع التركيز على كتاب.
لم أعد أستطيع متابعة فيلم.
حتى المحادثات البسيطة مع الناس أصبحت صعبة.

الخروج من البيت أصبح مستحيلا.

الخوف والتفكير بهوس في حالتي كان كل شيئ في الحياة.

لم أستطع التوقف عن البحث عن حالتي في الأنترنت. 

انضممت لمجموعات الأمراض النفسية على فيسبوك.

وصرت أتواصل مع المصابين بشتى أنواع الأمراض هناك

فصرت مقتنعا أنني أعاني من مرض خطير.

وفي كل مرة يختلف اعتقادي حسب اختلاف الأعراض التي كنت أعاني منها.

وكان هناك شيء آخر… الوحدة.

لأن اضطرابات القلق لا تُرى.

من الخارج قد تبدو بخير. لكن في داخلك حرب لا تتوقف.

فقدت عشرين كيلوغراماً في فترة قصيرة. توقفت تقريباً عن الأكل. أصبح الخروج من البيت معركة تحتاج إلى تحضير نفسي طويل.

لم أغادر فراشي لأشهر متتالية.

في الحقيقة معظم المعلومات في هذا الكتاب, كتبتها من فراشي أثناء معاناتي في محاولة مني لتوثيق ما يحدث لي.

وفي كثير من الليالي كنت أجلس في غرفتي وأدعو الله أن يشفيني… أو أن يأخذ روحي.

لم أكن أريد الموت طبعا, لكن الحياة أصبحت مظلمة والألم أكبر من أن أحتمله '' أو على الأقل هذا ما ظننته حينها''

وفي خضم كل هذا، بدأ والدي الإنسان الذي كان مصدر قوتي, يفقد ذاكرته تدريجياً بسبب الخرف.

في بضعة أشهر فقط كنت قد فقدت أمي…
وأبي بدأ يفقد نفسه…
وأنا كنت مقتنعاً أنني أفقد عقلي أيضاً.

لكن رغم كل ذلك لم أستسلم.

ربما لم يكن ذلك شجاعة. ربما كان عناداً. لكن شيئاً ما في داخلي رفض أن يصدق أن هذه هي نهاية حياتي.

ثم في يوم من الأيام… أثناء بحثي الطويل على الإنترنت، قرأت وصفاً لحالة اسمها:

اضطراب القلق المعمم.

وعندما قرأت الأعراض شعرت وكأن شخصاً يصف ما يحدث داخل رأسي بالضبط.

شعرت ببعض الارتياح.

لأنني أدركت شيئاً مهماً:

أنا لست مجنوناً.
أنا لست أموت.
وهناك أشخاص آخرون مرّوا بهذا وتعافوا.

ومن ذلك اليوم بدأت رحلتي الحقيقية لفهم ما يحدث لي.

الطريق لم يكن سريعاً. لم يكن سهلاً. لكنه قادني في النهاية إلى شيء لم أكن أظن أنني سأقوله يوماً:

يمكن التعافي من هاته الحالة.

أنا تعافيت منها.

تكلمت مع المئات من الناس الذين تعافوا منها.

وأنت كذلك ستتعافى منها.